أبي منصور الماتريدي

121

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الصواب » « 1 » . إن الحقيقة التي ينبغي التنويه بها والإشارة إليها في هذا المقام ، أن فرقة المرجئة على الرغم من خروجها من رحم الأحداث السياسية ، فإنها مذهب ديني فلسفي ، موضوعه البحث عن حقيقة الإيمان وعلاقة العمل به ، وكانت الغاية التي تهدف إليها - أصلا - الامتناع عن التسرع في إصدار الأحكام على أعمال الصحابة والتابعين ، ولا سيما تلك التي صدرت في خلال المنازعات التي وقعت بينهم ، فنظرة هذا المذهب إذن كانت إلى الماضي ، وكان حكمه على أعمال تاريخية « 2 » . وقد صور ثابت قطنة - شاعر المرجئة - عقيدة الإرجاء خير تصوير في قصيدة له ، نجتزئ منها بهذه الأبيات : يا هند فاستمعي لي إن سيرتنا * أن نعبد الله لم نشرك به أحدا نرجي الأمور إذا كانت مشبهة * ونصدق القول فيمن جار أو عندا المسلمون على الإسلام كلهم * والمشركون استووا في دينهم قددا ولا أرى أن ذنبا بالغ أحدا * م الناس شركا إذا ما وحدوا الصمدا بدع المرجئة وضلالهم « 3 » : إن تحرج المرجئة من الحكم على أعمال الصحابة ، وتأثمهم من تكفير صاحب الكبيرة يحمد لهم من غير مماراة ، وهم في ذلك لا يخالفون المسلمين من حيث تفويض أمر مرتكب الكبيرة إلى الله ، إن شاء عذبه ، وإن شاء تغمده برحمته وأدخله الجنة . بيد أن المرجئة المتأخرين قد بالغوا في فصل الإيمان عن العمل ، فأتوا بدعا وضلالات تخرجهم من دائرة الإسلام أصلا ، فزعموا - كما أشرنا في صدر الحديث عنهم - أنه لا يضر مع الإيمان ذنب جلّ أو صغر ، كما لا يجدي مع الشرك والكفر طاعة ، فالإيمان في القلب واللسان ، وهو المعرفة بالله تعالى ، والمحبة والخضوع له بالقلب « 4 » .

--> ( 1 ) محمد أبو زهرة ، تاريخ المذاهب الإسلامية ( ص 119 ) . ( 2 ) انظر : ضياء الدين الريس ، النظريات السياسية ، ( ص 86 ) . ( 3 ) ينظر : أصول الدين للبزدوي ( ص 252 ) ، نشر الطوالع ( ص 390 ) ، الفرق بين الفرق ( 1 / 190 ) ، والفصل في الملل والنحل ( 4 / 154 ) ، والمواقف ( 3 / 705 ) ، والتنبيه والرد على أهل الأهواء ( 1 / 43 ) ، كشاف اصطلاحات الفنون ( 3 / 3 ) ، فجر الإسلام ( 271 ) ، التفكير الفلسفي في الإسلام ( 1 / 205 ) ، الخطط والآثار للمقريزي ( 4 / 171 ) ، الفرقان بين الحق والباطل لابن تيمية ( ص 29 ) ، الموسوعة الإسلامية العامة ( ص 1280 ) . ( 4 ) الفرق بين الفرق ( ص 212 ) .